السيد محسن الأمين

56

أعيان الشيعة ( الملاحق )

ثم إنه ورد اطلاق العبادة على دعاء الله تعالى في القرآن بقوله تعالى : ( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي ) والأخبار بقوله ( ص ) الدعاء مخ العبادة ولكن ليس المراد بالدعاء هنا معناه اللغوي قطعا وهو النداء والا لكان كل من نادى أحدا وسأله شيئا عابدا له بل المراد به نداء الله تعالى وسؤاله والقيام بغاية الخضوع والتذلل بين يديه وإنزال حاجات الدنيا والآخرة به على أنه الفاعل المختار والمالك الحقيقي لأمور الدنيا والآخرة والمتصرف فيها كما يشاء فمن دعا مخلوقا على هذا النحو كان عابدا له اما من دعاه ليشفع له إلى الله بعد ثبوت ان الله جعل له الشفاعة فلا يكون عابدا له ولا فاعلا ما لا يحل . فظهر انه ليس كل ما يطلق عليه اسم العبادة موجبا للشرك والكفر إذا وقع لغير الله بل ولا محرما الا ان ينص الشارع على تحريمه كالسجود للشمس والقمر المنهي عنه في القرآن والسجود لغير الله المتفق على تحريمه وان مطلق الخضوع والانقياد لغير الله لا يوجب ذلك ولو فرض انه سمي عبادة وان العبادة التي يترتب عليها ذلك ليست العبادة اللغوية بل عبادة خاصة لا يمكن معرفتها الا ببيان الشارع وبدون بيانه تكون مجملة وانه لا يجوز ترتيب حكم الشرك والكفر بل ولا التحريم على ما يسمى عبادة الا إذا علم أنها من تلك العبادة الخاصة ومع الشك أو الظن لا يجوز ترتيب ذلك الحكم فإذا فرض ورود النهي عن عبادة غير الله فما علم أنه من المنهي عنه حرم وما لم يعلم لم يلحقه الحكم كالتكفير « 1 » والانحناء عند العجم ورفع اليد عند الجنود وكشف الرأس عند الإفرنج وغير ذلك للعلم بان المنهي عنه ليس مطلق ما يسمى عبادة وخضوعا . ثم إن الذي علم ترتب حكم الشرك والكفر عليه من العبادات أو الاعتقادات أمور ( الأول ) اعتقاد المساواة لله تعالى في جميع الصفات أو ان هو الله كما يقوله عبدة المسيح وأمه فيما حكاه عنهم القرآن وكما يقوله السبائية في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ع وكما يقوله الدروز في الحاكم أحد الخلفاء العلويين المصريين وغيرهم من الألوهية لشخص من الأشخاص ولو بطريق الحلول . ( الثاني ) انكار الشرائع وتكذيب الرسل وان اعترف فاعله بتوحيد الله تعالى ولم يعبد وثنا بل بقي على شريعة منسوخة . ( الثالث ) ما ذكر مع عبادة الأوثان بما لم يأذن به الله تعالى بل نهى عنه من سجود ونحر وذبح لها وذكر اسمها عليه وطليها بدمه وتعظيم باعتقاد استحقاق ذلك بالاستقلال لرفعة ذاتية واعتقاد ان له تدبيرا واختيارا كما كان يفعله عبدة الأصنام سواء كان مع الاعتراف بوجود اله وعدمه . الخامس عشر لا شك ان الله تعالى فاوت بين مخلوقاته في الفضل فجعل بعضها أفضل من بعض من الأزمنة والأمكنة والأحجار والآبار والحيوانات وبني آدم وغير ذلك ( ففي الأزمنة ) فضل شهر رمضان على سائر شهور السنة وجعل فيه ليلة القدر وجعلها خيرا من ألف شهر وجعل من أشهر السنة الاثني عشر أربعة حرما حرم فيها القتال وفضل يوم الجمعة على سائر الأيام وفضل ساعة 56 منه على سائره ( وفي الأمكنة ) فضل الكعبة على سائر بقاع الأرض وتعبد الناس بالحج إليها والطواف حولها ومكة والمقام وحجر إسماعيل والمسجد والمساجد الأربعة والمسجد الحرام منها على غيرها ( وفي الأحجار ) فضل الحجر الأسود على غيره وتعبد الناس باستلامه وتقبيله ( وفي الآبار ) فضل بئر زمزم على غيره ( وفي الحيوانات ) فضل الخيل على غيرها وامر بارتباطها وإكرامها وجعل الخير معقودا بنواصيها وجعل بعض دم الغزال مسكا وفي ذلك يقول الشاعر : فان تفق الأنام وأنت منهم * فان المسك بعض دم الغزال ( وفي بني آدم ) فضل الأنبياء على غيرهم ومحمدا ( ص ) على سائر الأنبياء والشهداء على غيرهم والعلماء على الشهداء وعلى بعض الأنبياء ( بل ) الشيء الواحد له فضل في حال دون حال فالكنيف لا فضل له وهو منتهى الخسة فإذا جعل مسجدا صار معظما عند الله وحرم تنجيسه ووجب تعظيمه وجلد الشاة يجعل نعلا وحذاء فيكون في منتهى الإهانة ويعمل جلدا للقرآن الكريم فيكون في منتهى الإكرام والإعظام كما قال الشاعر : أو ما ترى نوع الأديم فإنه * منه الحذاء ومنه جلد المصحف والرجل يكون كسائر الناس فيبعثه الله بالنبوة فتجب إطاعة امره ونهيه أو ينصبه النبي ( ص ) بعده خليفة أو المسلمون بناء على أن الإمامة باختيار الأمة فيدخل في قوله تعالى : ( أَطِيعُوا اللَّهَ وَ [ أَطِيعُوا ] الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) ( ومن هذا القبيل ) البقعة من الأرض تكون كسائر البقاع فيدفن فيها نبي أو ولي فتكتسب شرفا وفضلا وبركة بدفنه لم تكن لها من قبل ويجب احترامها وتحرم اهانتها لحرمة من فيها ومن احترامها قصدها لزيارة من فيها وبناء القباب عليها والحجر حولها لتقي زائريها من الحر والبرد وعمل الأضرحة لها التي تصونها عن كل إهانة وإيقاد المصابيح عندها لانتفاع زائريها واللاجئين إليها وجعل الخدمة والسدنة لها وتقبيلها والتبرك بها ووضع الخلع عليها والمعلقات فوقها وغير ذلك ومن اهانتها هدمها وهدم ما فوقها من البناء وتسويتها بالأرض وجعلها معرضا لوقوع القاذورات ووطئ الدواب والكلاب والآدميين وترويث وبول الدواب والكلاب وغير ذلك وما ورد مما يوهم المنافاة لذلك مما سيأتي في محله على فرض صحته مخصوص بغيرها أو منصرف بحكم التبادر إلى غيرها لما علم من الشرع من لزوم تعظيم أصحابها احياء وأمواتا وهذا من تعظيمهم وحرمة اهانتهم احياء وأمواتا وهذا منها وهل يشك في ذلك عاقل وهو يرى أن الله تعالى جعل احتراما لصخرة صماء بسبب وقوف إبراهيم الخليل ع عليها حين بنى البيت فقال وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى أفيجعل الله احتراما لمقام رجل خليله ولا يجعل احتراما لمدفن جسده أو مدفن جسد سيد أنبيائه وإذا كان له هذا الاحترام فلما ذا حرم تقبيله والطواف والتبرك به والصلاة عنده ودعاء الله تعالى كما يصلى عند مقام إبراهيم ( ع ) ويدعى فإن كان لتوهم انه عبادة له كعبادة الأصنام فهو توهم فاسد لأن احترام من جعل الله له حرمة احترام لله وعمل بأمر الله وعبادة وإطاعة لله فهو كتقبيل الحجر الأسود وتعظيم الكعبة والحرم والمقام والمساجد والتبرك بماء زمزم وسجود الملائكة لآدم وان كان لزعم ورود النهي فستعرف انه لا نهي . السادس عشر الأحكام لا تغير الموضوعات فإذا كان الموضوع على حالة أو صفة قبل

--> ( 1 ) هو وضع احدى اليدين على الأخرى خضوعا كالذي يفعل في الصلاة .